85a0f1fd-df10-49c2-81b4-54bba316769d

القطاع الخاص لا يعيش على الشعارات

القطاع الخاص لا يعيش على الشعارات

منذ سنوات نسمع أن الحل لأزمات العراق هو دعم القطاع الخاص، وتقليل الاعتماد على الوظيفة الحكومية، وتحويل الدولة من مشغّل إلى منظّم للاقتصاد.

لكن السؤال: كيف تريدون من القطاع الخاص أن يقود الاقتصاد، وأنتم تقطعون عنه السيولة؟

الشركة لا تموت فقط عندما تخسر؛ بل قد تكون رابحة على الورق وتموت لأنها لا تمتلك النقد الكافي لدفع الرواتب والإيجارات والمجهزين والضرائب.

عندما تتأخر رواتب الموظفين، تتراجع المبيعات. وعندما تتأخر مستحقات المقاولين والمجهزين، تتعطل الشركات. وعندما يتوقف الإنفاق الاستثماري، تتجمد المشاريع وتُفقد الوظائف.

الدولة في العراق ليست جهة تنظيمية فقط؛ إنها أكبر موظِّف وأكبر مشترٍ وأكبر متعاقد، ولذلك فإن أي اضطراب في تدفقاتها المالية ينتقل مباشرة إلى السوق بأكمله.

ثم نطالب القطاع الخاص بتوظيف الشباب وتحريك الاقتصاد!

بأي سيولة يوظف؟

وبأي ثقة يتوسع؟

وعلى أي توقعات يبني خطته، إذا كان لا يعرف متى يستلم مستحقاته، أو متى تنتظم الرواتب، أو ما الضرائب والرسوم التي قد تُفرض عليه غداً؟

المشكلة هنا ليست مالية فقط، بل إدارية أيضاً.

الإدارة المحترفة للأزمة تعني وجود توقعات للتدفق النقدي، وأولويات واضحة للصرف، وجدول معلن لتسديد الالتزامات، وتقييم مستمر للمخاطر. أما ترك السوق ينتظر التصريحات والتسريبات، فهو تحويل أزمة الحكومة إلى أزمة داخل كل شركة.

إذا أرادت الحكومة فعلاً حماية القطاع الخاص، فعليها أن تبدأ بخمس خطوات واضحة:

أولاً: نشر جدول زمني ملزم لتسديد مستحقات الشركات والمقاولين.

ثانياً: إعطاء الأولوية للشركات الصغيرة والمتوسطة؛ لأنها الأقل قدرة على تحمل التأخير.

ثالثاً: عدم إطلاق مشروع أو توقيع عقد جديد ما لم يكن تمويله مؤمناً فعلياً.

رابعاً: توفير ضمانات ائتمانية مؤقتة للشركات المتضررة من تأخر الدفعات الحكومية.

خامساً: إشراك أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في صناعة القرار، لا الاكتفاء بكبار رجال الأعمال الذين لا تمثل ظروفهم واقع السوق كله.

القطاع الخاص لا يحتاج مجلساً جديداً ولا مؤتمراً آخر ولا خطاباً عن الشراكة.

إنه يحتاج دولة تحترم عقودها، وتدفع التزاماتها، وتستقر قراراتها، وتفهم أن السيولة بالنسبة للشركة ليست رقماً محاسبياً؛ بل هي الأوكسجين الذي يبقيها حية.

لا يمكن مطالبة القطاع الخاص بإنقاذ الاقتصاد، بينما الإدارة الحكومية نفسها تسحب منه القدرة على البقاء.

الوسوم

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *