السيد رئيس مجلس الوزراء المحترم
العراق اليوم لا يواجه أزمة رواتب فقط، بل يواجه شللاً نقدياً بدأ ينتقل من خزينة الدولة إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى الشركات، ومن الشركات إلى بيوت المواطنين.
عندما تتأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين، لا يتضرر الموظف وحده؛ بل تتوقف دورة اقتصادية كاملة:
العائلة تؤجل الشراء،
التاجر يقلل طلباته،
الشركة تجمّد التوظيف،
المقاول ينتظر مستحقاته،
والمستثمر يحتفظ بأمواله لأنه لا يعرف ماذا سيحدث غداً.
المشكلة الأخطر ليست نقص السيولة وحده، وإنما التخبط في إدارة الأزمة والتواصل بشأنها.
مرة نسمع أن الأزمة مؤقتة، ومرة أن الرواتب ستتأخر، ومرة يكون الحل بالاقتراض، ومرة ببيع أو نقل أصول الدولة، ومرة بإجازات طويلة للموظفين، ومرة بتقليص الإنفاق.
هذه ليست خطة اقتصادية.
هذه مجموعة حلول إسعافية متفرقة، تصدر من دون رؤية مالية معلنة، ومن دون جدول زمني، ومن دون جهة واحدة تخاطب السوق وتتحمل مسؤولية النتائج.
والأخطر أن الحكومة تحاول مواجهة أزمة جديدة بالعقول نفسها التي أدارت الاقتصاد في السنوات السابقة.
المستشارون أنفسهم، والأفكار نفسها، والأدوات نفسها، ثم ننتظر نتائج مختلفة!
كيف يمكن بناء سياسة اقتصادية جديدة من خلال الدائرة الاستشارية القديمة نفسها التي لم تنجح طوال السنوات الماضية في تحرير الاقتصاد العراقي من اعتماده الكامل على النفط والإنفاق الحكومي؟
إن تغيير رئيس الوزراء من دون تغيير دائرة التفكير المحيطة به لا يصنع حكومة جديدة؛ وإنما يغيّر الواجهة ويُبقي العقل القديم يدير الدولة.
ثم يُشكّل مجلس لتطوير القطاع الخاص من الأسماء والقوى الاقتصادية التقليدية نفسها، والتي يمثل بعضها شركات كبيرة ومصالح قائمة ومستفيدة من البيئة الاقتصادية الحالية.
فكيف ننتظر من المستفيدين من البيئة القديمة أن يعيدوا تصميمها؟
وأين أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟
أين رواد الأعمال والشباب؟
أين أصحاب الشركات التي أغلقت أبوابها أو سرّحت موظفيها؟
أين الخبراء المستقلون؟
أين ممثلو القطاعات التي تعاني اليوم فعلياً من انقطاع السيولة وتراجع المبيعات وارتفاع التكاليف؟
تطوير القطاع الخاص لا يكون بتشكيل مجلس من كبار رجال الأعمال فقط؛ لأن مصالح الشركات الكبرى لا تمثل بالضرورة احتياجات آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل القلب الحقيقي للسوق.
المجلس الذي لا يسمع إلا أصوات القوى الاقتصادية الكبيرة لن يطوّر القطاع الخاص؛ بل قد يعيد إنتاج المصالح والامتيازات نفسها تحت عنوان جديد.
السوق لا يتحرك بالطمأنات العامة، وإنما بالمعلومات والقرارات الواضحة.
رئيس الشركة اليوم يريد أن يعرف:
هل ستُدفع مستحقات المقاولين والمجهزين؟
متى تنتظم الرواتب؟
كيف ستُموّل الدولة عجزها؟
هل ستقترض؟ وبأي حجم؟
هل ستفرض ضرائب ورسوم جديدة؟
هل ستقلص الإنفاق الاستثماري؟
وما الإجراءات الفعلية لتحريك السيولة داخل السوق؟
حين لا توجد إجابات، يتحول الخوف إلى قرار اقتصادي:
المواطن لا يشتري،
التاجر لا يستورد،
الشركة لا تتوسع،
والمستثمر لا يخاطر.
وهنا تصبح الحكومة نفسها، من خلال الغموض وتعدد التصريحات، جزءاً من صناعة الركود.
السيد رئيس مجلس الوزراء،
العراق بحاجة إلى غرفة إدارة أزمة اقتصادية حقيقية، لا لجنة إضافية ترفع توصيات، ولا مجلس جديد بالأسماء القديمة نفسها.
نحتاج إلى خطة مالية طارئة تُعلن للرأي العام وتتضمن:
- حجم الفجوة المالية الحقيقي شهرياً.
- مصادر تمويل الرواتب والالتزامات الأساسية.
- جدولاً زمنياً ثابتاً لإطلاق المستحقات الحكومية.
- حماية الإنفاق الذي يحرك الأسواق ويوفر فرص العمل.
- إجراءات عاجلة لاسترداد الديون والإيرادات الحكومية غير المحصلة.
- خطة لإعادة الكتلة النقدية المكتنزة إلى القطاع المصرفي.
- متحدثاً اقتصادياً واحداً يقدم تقريراً أسبوعياً واضحاً بالأرقام.
- إجراءات تقشف تبدأ من مؤسسات الدولة العليا والامتيازات والنفقات غير الضرورية، لا من قوت المواطن والموظف الصغير.
- إعادة تقييم حقيقية للمستشارين الاقتصاديين على أساس النتائج، لا العلاقات أو الاستمرارية.
- إعادة تشكيل مجلس تطوير القطاع الخاص ليمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال والقطاعات الإنتاجية والخبراء المستقلين، وليس كبار اللاعبين فقط.
أما بيع الأصول، وتوسيع الاقتراض، وتأخير المستحقات، فهي لا تعالج المرض؛ إنها تشتري بعض الوقت، وقد تترك للدولة أزمة أكبر، وديوناً أكثر، وأصولاً أقل.
الأزمة الحالية لم تخلق ضعف الاقتصاد العراقي، لكنها كشفت حقيقته:
دولة تنفق عندما تدخل إيرادات النفط،
وتتعطل عندما يتوقف تدفقها.
بعد كل الموازنات والأموال والوعود، لا يجوز أن تبقى رواتب العراقيين وأسواقهم معلقة بطريق تصدير واحد ومورد واحد.
المطلوب اليوم ليس خطاب طمأنة جديداً.
المطلوب قيادة اقتصادية واضحة تعترف بحجم الأزمة، وتنشر الأرقام، وتوحّد القرار، وتراجع المستشارين، وتفتح أبواب صنع القرار أمام الخبرات الجديدة، وتقدم للسوق خطة يستطيع أن يبني عليها قراراته.
لأن الاقتصاد لا يموت فقط عندما تنفد الأموال؛
الاقتصاد يموت عندما تُفقد الثقة بمن يدير الأموال.


Add a Comment